محمد أبو زهرة
103
المعجزة الكبرى القرآن
هذا تصوير لا تعرف اللغات تصويرا للحرص والتعجل ، والاستيثاق بالأيمان وعدم التردد فيما يعملون ، ونية السوء ، والتخافت فيها - مثله . ولو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا . 63 - ولكن الآيات الكريمات بعد تصوير حالهم هذه في التعجل والحرص ، لتصوير المفاجأة ، وتنبيه المفاجأة للغافل وإيقاظها للضمير النائم ، وإثارتها للوجدان الساهي ، فيقول سبحانه في رؤيتهم لتهدم ما بنوا عليه إشباع طمعهم ، وما حملهم على نية الشر ، فقال تعالت كلماته : فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ ( 26 ) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ( 27 ) . كانت المفاجأة بمقدار الحرص والطمع ، واسترسالهم في المطامع المادية حتى استأثروا بها ولم يعطوا منها حق الفقير المسكين والسائل والمحروم ، وإذا كان حرصهم بلغ أقصاه ، فالمفاجأة بالحرمان كانت أشد وقعا ، أصابتهم بالحيرة الشديدة ، والضلال البعيد ، وأول الضلال أنهم توهموها غير أرضهم ، فلما استيقنوا أحسوا بضلال آخر معنوي أشد فتكا في النفوس وتأثيرا في القلوب ، وهو إحساسهم بالضلال المعنوي إذ قدروا ، ولم يدركوا تقدير اللّه ، وحسبوا أن الأمر إليهم وحدهم ، واللّه فوقهم ، فلما أدركوا ضلال تفكيرهم قرروا الحقيقة الثانية ، وهي أن اللّه تعالى قدر حرمانهم ، وما قدره نافذ لا محالة ، ولذا قالوا كما حكى اللّه عنهم مؤكدين : بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ، فالإضراب معناه هنا أنهم ترقوا من حال الضلال المؤكد إلى حال الإيمان بالحرمان المؤكد . وإن قوله تعالى عنهم : بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ( 27 ) بعد إِنَّا لَضَالُّونَ فيه إشارة واضحة إلى الأسف والألم المرير ، ألم الضال ، والحرمان من الهداية ، ثم الحرمان المطلق من الثمرات التي طمعوا فيها ، وتخافتوا على ألا يعطوا الفقير . وإذا كانوا قد اجتمعوا على ما كان منهم أولا ، فقد اجتمعوا على المفاجأة والحرمان ثانيا ، ولكن يظهر أن الشر لا يمكن الإجماع عليه دائما ، بل لا بد من قائم للّه تعالى بحجة ، وإذا لم يستمع له قول ابتداء فإن قوله سيكون له صدى في النتيجة بعد أن تتبدى الأمور وتنجلى . وكذلك كانت حال أصحاب الجنة ، فقد كان فيهم رشيد ينبههم إلى خطأ ما أزمعوا أن يفعلوه ، وقد حكاه اللّه سبحانه وتعالى بقوله : قالَ أَوْسَطُهُمْ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ ( 28 ) . الأوسط هو الأمثل ، والوسط في أوصاف الخير هو الأمثل دائما ، ومن ذلك قوله تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [ البقرة : 143 ] ، وهذا الأمثل عندما رأى حالهم وتدبيرهم وطمعهم ، وما يسرون به وما يجهرون ، وما يتخافتون وما يعلنون ، لاحظ